إفطار على الطريقة المغربية (4): تقليد السمك على مائدة رمضان
يُعد السمك من الأطباق الأساسية على مائدة الإفطار في المغرب خلال شهر رمضان، حيث يظهر غالباً كطبق بسيط لكنه غني بالنكهات، يُحضَّر عادة بتتبيلة الشرمولة، وخاصة مع السردين. وتُظهر المصادر التاريخية أن هذا التقليد ليس حديثاً، إذ إن وصفات مشابهة للسمك وردت في كتب الطبخ المغربية منذ العصور الوسطى.
في المغرب، أصبحت العديد من العائلات تختتم مائدة الإفطار بطبق من السمك. فبعد تناول الحريرة والاستمتاع بالمملحات المختلفة وتذوق البغرير بالعسل والزبدة واحتساء الشاي أو العصير، يأتي دور طبق السمك. وخلال شهر رمضان تزداد شعبية المأكولات البحرية بشكل ملحوظ.
كثيرون يتذكرون تلك اللحظات التي يعود فيها الأب إلى المنزل قبيل الإفطار حاملاً كيساً من السمك الطازج، طالباً إضافته إلى قائمة الطعام في اللحظات الأخيرة. ورغم أنه إضافة متأخرة، فإنه غالباً ما يكون موضع ترحيب من الجميع.
ويتميز السمك بسهولة تحضيره وتنوع طرق إعداده في رمضان؛ فقد يُقلى أو يُشوى أو يُطهى في الفرن أو يُحضّر في طاجين. ولا يحتاج الأمر سوى إلى بعض المكونات لتحضير شرمولة لذيذة، مثل التوابل والثوم وعصير الليمون إضافة إلى كمية سخية من الكزبرة والبقدونس وزيت الزيتون.
السردين… نجم مائدة الإفطار
يُعد السردين الخيار الأكثر انتشاراً لدى المغاربة عند تحضير السمك في رمضان، وهو نوع من الأسماك يحظى بإجماع واسع بين مختلف العائلات. ومع ارتفاع الطلب عليه خلال هذا الشهر، غالباً ما تشهد أسعاره زيادة ملحوظة.
السردين “الشرقى” المقلي
من أكثر طرق التحضير شيوعاً ما يُعرف بالسردين “الشرقى”، حيث تُفتح حبات السردين وتُسطَّح ثم تُتبل وتُقلى. وتعود شعبية هذه الطريقة إلى قرون طويلة، إذ وردت وصفة مشابهة لها في كتاب طبخ مغربي يعود إلى القرن الثالث عشر.
اليوم تُعرف هذه الطريقة باسم السردين الشرقي، حيث تُفتح السردينات على شكل شرائح مسطحة وتُكدّس فوق بعضها ثم تُقلى في الزيت. كما يمكن إعداد نسخة أكثر صحة من هذا الطبق عبر خبزها في الفرن أو شويها.
وفي زمن الموحدين لم تكن الوصفة مختلفة كثيراً. ففي كتاب الطبخ الشهير “كتاب الطبيخ في المغرب والأندلس في عصر الموحدين” ورد طبق يسمى “الحوت المعفّر”، أي السمك المغطى بالتتبيلة، وهو وصف دقيق لطريقة تحضيره.
وتترك الوصفة القديمة حرية اختيار نوع السمك، تماماً كما تفعل العائلات اليوم، سواء كان السردين أو الميرلان أو سمك موسى.
وتذكر الوصفة:
«خذ سمكاً جيداً، نظفه أو أزل قشوره، واغسله، ثم افتح القطع وسطحها وأزل العظام والشوك».
بعد ذلك يُحضّر السمك للقلي عبر تغليفه بالخليط:
«خذ فتات الخبز أو الدقيق الناعم، وأضف البيض والفلفل والكزبرة المجففة، ثم اخلط المكونات وغطِّ بها قطع السمك عدة مرات».
بعد تغليفه يُقلى السمك في الزيت. وقد يتساءل البعض: أين الشرمولة؟ في القرن الثالث عشر كانت الصلصة تُحضّر بعد قلي السمك، إذ كانت تتكون من الزيت والخل وقليل من المُرّي (صلصة مخمرة) والكمون، ثم تُغلى وتُسكب فوق السمك المقلي.
طاجين السمك… الخيار التقليدي
رغم انتشار السمك المقلي، تفضل بعض العائلات الطريقة التقليدية في الطهي عبر إعداد طاجين السمك، الذي يعتمد على الطهي البطيء دون القلي.
وتعود هذه الطريقة أيضاً إلى قرون طويلة، إذ وردت في كتاب الطبخ “فضالة الخوان” من العصر المريني تحت اسم “حوت المروج”.
وتشبه هذه الوصفة كثيراً طرق التحضير الحديثة، إذ تبدأ بتنظيف السمك وتقطيعه إلى أجزاء صغيرة ثم تتبيله بالملح وتركه جانباً.
بعد ذلك تُحضَّر صلصة الطاجين بإضافة الخل والمرّي والزيت والفلفل والكزبرة المجففة وقليل من الكمون مع عدة فصوص من الثوم ورشة من الزعتر، قبل وضع الطاجين على النار.
وعندما يبدأ الخليط بالغليان يُضاف السمك ويُغطى الطاجين ليُطهى ببطء.
كما يشير النص القديم إلى أنه يمكن إعداد الطبق أيضاً باستخدام السردين الصغير أو الأنشوجة مع ماء الكزبرة الخضراء والثوم المقشر وقليل من الخل.
وهكذا، في المرة القادمة التي تشم فيها رائحة السمك تُطهى قبل الإفطار، تذكر أن عائلتك ربما تواصل تقليداً غذائياً مغربياً يمتد لأكثر من ثمانية قرون.