اليمين المتطرف عالمياً يستغل اضطرابات فرنسا لتشويه المهاجرين

لا يثبت أي رابط بين أعمال العنف التي شهدتها فرنسا والهجرة، غير أن سياسيين من أقصى اليمين في أكثر من دولة سارعوا إلى تحميل المهاجرين مسؤولية الاضطرابات، في وقت تستعد فيه بلدانهم لاستحقاقات انتخابية حساسة. وفي هذا السياق، انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، ما وصفه بـ«التصريحات الغبية الصادرة عن كثيرين، بمن فيهم قادة أجانب»، في إشارة إلى «من يشنون حملات انتخابية على حساب فرنسا»، من دون أن يسمي أحداً.
ترامب وأباسكال ونتنياهو
قال دونالد ترامب في تجمع انتخابي قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة الشهر المقبل إن فرنسا «احتُلت ونُهبت وأُحرقت عن آخرها على يد المهاجرين والجهاديين والشيوعيين»، في إطار محاولات متكررة من إدارته لربط أوروبا بحروب الثقافة الدائرة في الولايات المتحدة. ويواجه الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب رياحاً معاكسة قبل الاقتراع.
وفي إسبانيا، حذّر سانتياغو أباسكال، زعيم حزب «فوكس» اليميني المتطرف الذي ينافس بدوره قبل انتخابات نوفمبر، من «الإسلامو-يسارية»، في منشور أرفقه بصورة للنيران وهي تلتهم مبنى بلدية يعود إلى القرن التاسع عشر في مدينة ليموج الفرنسية.
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يتجه إلى صناديق الاقتراع الأسبوع المقبل، فزعم أن فرنسا تعرضت لـ«غزو الإسلام المتطرف». واكتفى ماكرون بالرد بصيغة غير مباشرة، إذ شدد على أن فرنسا ليست ساحة لحسابات انتخابية أجنبية.
لوبان تختار خطاب الأمن والنظام
سلكت مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف للرئاسة والمتصدرة استطلاعات الرأي لانتخابات العام المقبل، طريقاً مختلفاً جزئياً، إذ قدّمت نفسها مرشحة الأمن والنظام. ولم تتخلَّ تماماً عن موضوعها المفضل، فقالت إن فرنسا «تدفع ثمن عقود من الهجرة الفوضوية»، لكنها وجّهت نقدها الأساسي، من خلف مكتب من الخشب الداكن وعلم فرنسي خلفها، إلى «عجز» حكومة ماكرون المنتهية ولايتها.
واتهمت لوبان حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي، الذي أعلن دعمه للاحتجاجات، بمحاولة إشعال «حرب أهلية». وانحازت بوضوح إلى جانب الشرطة، في وقت تحوّل النقاش بعد الاضطرابات إلى الإخفاقات الأمنية وإعادة النظام، قبل احتجاجات جديدة مقررة السبت.
وعلّقت نونا ماييه، الأستاذة الباحثة في معهد العلوم السياسية بباريس، بأن لوبان «تريد أن تظهر كرئيسة مستقبلية، لا فقط كحزب مناهض للهجرة»، وإن كان «الجميع يعرف ما يمثلونه». ورأت جيس ميدلتون، كبيرة محللي أوروبا في شركة «فيريسك مابل كروفت» لتحليل المخاطر، أن هذه الاستجابة «تندرج في جهد طويل الأمد لتقديم نفسها كشخصية حاكمة أكثر مصداقية».
مجتمع مستقطب
تساءل ماكرون، الذي سيتعين عليه مغادرة السلطة بعد ولايتين متتاليتين، عن كيفية أن «يفعل الفرنسيون هذا بفرنسا»، محمّلاً مجموعات يسارية متطرفة مسؤولية العنف. أما وزير الإسكان فينسنت جانبران فأشار إلى «جزء صغير من أحيائنا الشعبية» بوصفه موطناً لكثير من مرتكبي أعمال العنف.
وقال عالم السياسة باسكال بيرينو لوكالة فرانس برس إن بين الحشود «مواطنين فرنسيين من أصول مهاجرة»، لكنهم ليسوا سوى فئة واحدة ضمن تشكيلة واسعة ضمت طلاباً ومتظاهرين ذوي خطاب ثوري وناشطي «البلوك الأسود» الراديكاليين الذين كثيراً ما «يدعون إلى الفوضى في الشوارع».
وسيتعين على أي رئيس فرنسي قادم أن يعالج الأسباب الأولى للاحتجاجات، التي انطلقت بمطالب طلابية بشأن سوء ظروف الدراسة، ثم اتسعت لتشمل قلقاً متصاعداً من التضخم. ورأى بيرينو أن سنوات من الاحتجاجات المتكررة، وبينها حركة «السترات الصفراء» المناهضة لماكرون والمنتشرة في الأرياف، تكشف عن فرنسا «منقسمة بعمق، يسود فيها مناخ مهيأ للاضطرابات»، متوقعاً موسماً انتخابياً رئاسياً «شديد الاضطراب».
من جهته، قال ستيفان سيرو، المؤرخ المتخصص في الحركات الاجتماعية، إن الغضب الواسع ظل يتراكم حول غلاء المعيشة وتدني الخدمات العامة، معتبراً أن العنف «يعكس مشكلات مجتمع يزداد استقطاباً».



