موسيقى الذكاء الاصطناعي تغرق المنصات.. الفنانون يخوضون معركة البقاء والأجور
تجاوزت الموسيقى المنتجة بالذكاء الاصطناعي عتبة لافتة على منصات البث، بعدما كشفت منصة “ديزر” أن هذا النوع من المحتوى أصبح يمثل أكثر من نصف المقاطع الموسيقية التي تصل إلى خدمتها يومياً.
وأوضحت المنصة الفرنسية أنها تتلقى، منذ إطلاق أداة لكشف المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي في يناير 2025، ما يقارب 90 ألف مقطع موسيقي مولد بالكامل بالذكاء الاصطناعي كل يوم.
وأثار هذا الارتفاع السريع مخاوف متزايدة من أن يجد الفنانون البشريون أنفسهم خارج أنظمة التوصية، وقوائم التشغيل، وحصص العائدات، مع تدفق كميات ضخمة من الموسيقى الآلية إلى السوق.
وقد لا يكون المستمعون قادرين دائماً على التمييز بين العمل البشري والمحتوى الاصطناعي. فقد أظهر استطلاع أجرته “ديزر” و“Ipsos” سنة 2025 أن 97 في المائة من أكثر من 9 آلاف مشارك من ثماني دول لم يتمكنوا من تحديد الموسيقى المنتجة بالذكاء الاصطناعي بشكل صحيح.
وأثبتت أسماء مثل Breaking Rust وVelvet Sundown وCain Walker قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الأصوات والأنماط الموسيقية وأساليب الإنتاج بطريقة مقنعة، ما جعل الحدود بين الموسيقى النابعة من تجربة إنسانية وتلك التي تركبها الخوارزميات أكثر ضبابية.
منصات البث تختلف في التعامل مع موسيقى الذكاء الاصطناعي
ورغم أن منصات بث كبرى أخرى لم تكشف أرقاماً مماثلة لما أعلنته “ديزر”، فإن عدداً منها بدأ بالفعل في اعتماد سياسات جديدة للتعامل مع المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، وانتحال الهوية، والاحتيال المرتبط بالبث.
وقالت “سبوتيفاي” إنها أزالت أكثر من 75 مليون مقطع مزعج أو عشوائي خلال فترة اتسمت بالانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
كما أطلقت المنصة سياسات تستهدف انتحال هوية الفنانين والمحتوى الاحتيالي، إلى جانب دعم الإفصاح عن كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل الإنتاج الموسيقي.
وفي وقت لاحق، أعلنت “سبوتيفاي” و“يونيفرسال ميوزيك غروب” عن أداة تتيح للمستخدمين إنشاء نسخ غنائية وإعادة مزج مدعومة بالذكاء الاصطناعي لأعمال فنانين وكتاب أغانٍ مشاركين.
وقالت “سبوتيفاي” إن هذا النموذج يسمح لأصحاب الحقوق بالمشاركة مباشرة في القيمة الناتجة عن النسخ وإعادة المزج المرخصة بالذكاء الاصطناعي.
أما “آبل”، فتطلب من شركات الإنتاج والموزعين الإفصاح عما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد استُخدم في التسجيلات أو التأليف أو الأعمال البصرية أو مقاطع الفيديو الموسيقية.
في المقابل، اختارت شركات أخرى نهجاً أكثر صرامة. فقد حظرت “باندكامب” الموسيقى التي يتم توليدها بالكامل أو إلى حد كبير بواسطة الذكاء الاصطناعي، بينما تعهدت “iHeartRadio” بعدم استخدام شخصيات مولدة بالذكاء الاصطناعي أو بث موسيقى يظهر فيها مغنون اصطناعيون على أنهم فنانون حقيقيون.
سوق يتوسع ودخل الفنانين تحت الضغط
قدرت الكونفدرالية الدولية لجمعيات المؤلفين والملحنين “CISAC” سنة 2024 أن الموسيقى المنتجة بالذكاء الاصطناعي قد تبني سوقاً بقيمة إجمالية تصل إلى 40 مليار يورو، أي نحو 46 مليار دولار، خلال خمس سنوات.
وتوقعت الدراسة أن تشكل تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي حوالي 20 في المائة من عائدات بث الموسيقى بحلول سنة 2028، مع تعريض ما يقارب ربع دخل المبدعين للخطر.
وساهمت أدوات مثل Suno وUdio في دفع هذا التوسع، بعدما جعلت إنتاج أغانٍ كاملة خلال دقائق أمراً متاحاً للمستخدمين.
ويرى بعض المنتجين البارزين أن على الموسيقيين التأقلم مع الواقع الجديد. فقد اعتبر ديبلو أن الفنانين لن يستطيعوا إيقاف الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن التكنولوجيا قادرة على إنتاج أصوات عالية الجودة دون الاعتماد على تسجيلات غنائية تقليدية.
كما استخدم المنتج تيمبالاند الذكاء الاصطناعي لإنهاء أغانٍ ظلت غير مكتملة منذ سنة 2021. ووفق مجلة “رولينغ ستون”، قال إن التكنولوجيا ساعدته على إنتاج نحو ألف إيقاع خلال ثلاثة أشهر، في مجموعة واسعة من الأنماط الموسيقية.
لكن المعارضة داخل الصناعة لا تزال قوية. ففي سنة 2024، وقّع أكثر من 200 فنان، بينهم بيلي إيليش، وكاتي بيري، ونيكي ميناج، وزين مالك، رسالة صادرة عن Artist Rights Alliance حذرت من أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد خصوصية الموسيقيين وهوياتهم وسبل عيشهم.
وفي العام التالي، طالب أكثر من 400 فنان، من بينهم دوا ليبا، وكولدبلاي، وإلتون جون، بتعزيز حماية حقوق النشر في بريطانيا، رداً على توسع الذكاء الاصطناعي التوليدي.
الإصدارات الآلية تهدد الفنانين الصاعدين
ازدادت المخاوف من تشبع السوق بعدما احتل فنانون مدعومون بالذكاء الاصطناعي ثلث المراكز العشرة الأولى في قائمة Billboard’s Country Digital Song Sales أواخر سنة 2025.
كما وصلت أغنية “Walk My Walk” المنتجة بالذكاء الاصطناعي لفنان Breaking Rust إلى صدارة القائمة، ما أثار نقاشاً واسعاً حول مستقبل المنافسة بين البشر والخوارزميات.
وقال ديفيد مارتن، الرئيس التنفيذي لتحالف Featured Artists Coalition، إن هذه التطورات تطرح أسئلة صعبة حول قدرة المبدعين الحقيقيين على إيصال أعمالهم وبناء مسارات مهنية قابلة للاستمرار.
وأوضح مارتن لوكالة الأناضول: “أكبر مصدر قلق للجميع هو أن الموسيقى المنتجة بالذكاء الاصطناعي ستغرق السوق… وأننا سنصبح محاصرين بها”.
من جانبها، أثارت جيس بارتريدج، المديرة التنفيذية للتحالف الأوروبي لمديري الموسيقى، مخاوف بشأن نظام توزيع دخل البث القائم على النسب. ففي هذا النموذج، تحدد حصة الأغنية من إجمالي عدد الاستماعات مقدار ما تحصل عليه من العائدات المتاحة.
وحذرت بارتريدج من أن حتى نسبة صغيرة نسبياً من الاستماعات المولدة بالذكاء الاصطناعي قد تؤثر بشكل كبير في الموسيقيين الصاعدين، الذين يحصلون أصلاً على حصة محدودة من إجمالي الاستماعات.
وقد تتفاقم المشكلة عندما يتم الجمع بين المقاطع الآلية والتلاعب الاصطناعي بعدد الاستماعات. وقالت بارتريدج إن بعض المستخدمين قد ينتجون مقطعاً، ثم يرفعونه، ثم يشترون استماعات وهمية لسحب المال من صندوق العائدات.
معركة حقوق النشر: الموافقة وبيانات التدريب في قلب النزاع
يطعن ممثلو الفنانين أيضاً في استخدام الموسيقى المحمية بحقوق النشر لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون علم أصحابها أو إذنهم.
وقال مارتن إن الموسيقيين يخشون أن تكون أعمالهم قد أُخذت من الإنترنت واستخدمت لتطوير أنظمة قادرة لاحقاً على منافستهم على الجمهور والدخل.
وقالت بارتريدج: “العمل الإبداعي ليس مادة خاماً مجانية لصناعة أخرى. إذا كان محمياً بحقوق النشر، فعليهم ترخيصه. عليهم أن يدفعوا مقابله”.
وعمل التحالف الأوروبي لمديري الموسيقى مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشأن متطلبات الشفافية ضمن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، خصوصاً القواعد المتعلقة بالمواد المستخدمة في تدريب الأنظمة.
لكن بارتريدج قالت إنها لا تشعر بتفاؤل كبير بشأن قدرة هذه التدابير على توفير حماية كافية للفنانين.
كما عارضت منظمات موسيقية، بينها EMMA وFeatured Artists Coalition، الاتفاقيات التي تُدخل الموسيقيين تلقائياً في استخدامات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أو تضغط عليهم للموافقة على صفقات ترخيص دون معلومات واضحة أو موافقة فعلية أو ضمان للدفع.
مطالب بوضع علامات واضحة ومعايير موحدة
قالت بارتريدج إن غياب معلومات عامة كافية يجعل من الصعب قياس حجم الموسيقى المنتجة بالذكاء الاصطناعي، أو حالات انتحال الهوية، أو الاحتيال داخل السوق.
ودعت إلى اعتماد وسم إلزامي للمحتوى، واتفاقيات ترخيص أكثر وضوحاً، وتقارير منتظمة تبين عدد المقاطع المنتجة بالذكاء الاصطناعي التي تم رصدها أو حذفها من أنظمة العائدات.
كما دعا ديفيد مارتن منصات البث وموزعي الموسيقى إلى وضع معايير مشتركة تفرق بوضوح بين الموسيقى المنتجة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، والأعمال التي استُخدمت فيها هذه التقنية فقط كأداة مساعدة.
وشدد الطرفان على أنهما لا يعارضان الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، مع الاعتراف بأنه يمكن أن يدعم الفنانين إذا استُخدم بطريقة مسؤولة.
وقال مارتن: “التكنولوجيا وحدها شيء. والتكنولوجيا في أيدي المبدعين شيء آخر. نحن لسنا ضد الذكاء الاصطناعي. نحن ضد الممارسات المسيئة”.
وبين انفجار الإنتاج الآلي، وصراع العائدات، وأسئلة حقوق النشر، تبدو صناعة الموسيقى مقبلة على مرحلة حاسمة، قد تحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيكون أداة في خدمة الفنانين، أم منافساً يهدد ظهورهم ودخلهم.