بعد 54 عاماً.. ناسا تكشف صورة جديدة كاملة للأرض من عمق الفضاء
للمرة الأولى منذ عام 1972، التقط رواد فضاء في طريقهم إلى القمر صورة كاملة لكوكب الأرض من مسافة بعيدة جداً. وقد جرى التقاط هذه اللقطة خلال مهمة Artemis II التي أطلقتها وكالة ناسا في 2 أبريل 2026، حيث أظهرت الأرض من مسافة تتجاوز 200 ألف ميل، كاشفة المحيط الأطلسي، والصحراء الكبرى، وجزءاً من أميركا الجنوبية، إلى جانب ظهور شفقين قطبيين وكوكب الزهرة. وتواصل المركبة رحلتها، مع احتمال تجاوزها حاجز 400 ألف كيلومتر بعيداً عن الأرض، في إنجاز قد يكون غير مسبوق لطاقم بشري.
وتعد مهمة Artemis II رحلة فضائية مأهولة تنظمها وكالة ناسا، وقد انطلقت من مركز كينيدي الفضائي في فلوريدا يوم 2 أبريل 2026. وتهدف هذه الرحلة إلى إرسال رواد فضاء في مدار حول القمر لاختبار مركبة جديدة من دون تنفيذ هبوط على سطحه، تمهيداً لبعثات لاحقة تستهدف إعادة البشر إلى القمر.
وفي يوم السبت 4 أبريل، بلغت المهمة مرحلة مفصلية، بعدما وصلت مركبة Orion، التي تقل أربعة رواد فضاء، إلى منتصف المسافة تقريباً بين الأرض والقمر. وأصبح الطاقم على بعد أكثر من 228 ألف كيلومتر من الأرض، وذلك بعد نحو يومين من الإقلاع.
في هذه اللحظة، نشرت ناسا أولى الصور التي أرسلتها المركبة نحو الأرض. وقد التقطها قائد المهمة ريد وايزمان عقب مناورة تقنية مهمة وضعت Orion على المسار المحدد لها باتجاه القمر.
وتُظهر الصورة الأساسية كوكب الأرض كاملاً، وكأنه كرة زرقاء معلقة وسط الفراغ. وعلى خلاف ما يراه البشر من سطح الأرض، تبدو هنا في مشهد شامل يمكن التقاطه بنظرة واحدة. ويظهر المحيط الأطلسي ممتداً بشكل واضح، تحيط به كتل يابسة يمكن تمييزها، إذ تبدو الصحراء الكبرى وشبه الجزيرة الإيبيرية إلى اليسار، بينما يظهر جزء من أميركا الجنوبية إلى اليمين. كما تبدو الأرض مقلوبة في الصورة، وهو أمر تفسره ناسا باتجاه المركبة لحظة التصوير.
وحول الكوكب، برزت في الصورة عدة ظواهر يمكن رؤيتها من الفضاء في الوقت نفسه. فقد ظهر شفقان قطبيان، وهما الأضواء الخضراء التي تتشكل عادة قرب القطبين، في أعلى الصورة وأسفلها. وتوضح الوكالة أن هذه الظاهرة تنتج عن جزيئات يطلقها الشمس وتدخل في تفاعل مع الغلاف الجوي للأرض.
كما يظهر هالة ضوئية رقيقة تحيط بالكوكب، وهي الغلاف الجوي الذي أصبح مرئياً بفعل ضوء الشمس أثناء مرور الأرض أمامه. وفي الزاوية اليمنى السفلية من الصورة، يظهر أيضاً جرم شديد اللمعان، وأكدت ناسا أنه كوكب الزهرة.
ويمثل هذا المشهد محطة رمزية بالنسبة إلى الطاقم، إذ تحدثت رائدة الفضاء كريستينا كوك عن حالة من التأثر الجماعي داخل المركبة عند إعلان بلوغ منتصف الرحلة. وأوضح الرواد كذلك أنهم باتوا قادرين على رؤية القمر بالعين المجردة من داخل المركبة.
ومن المنتظر أن تستمر المهمة نحو عشرة أيام تقريباً، على أن تقوم مركبة Orion بالدوران حول القمر، ثم الابتعاد أكثر قبل العودة مباشرة إلى الأرض، من دون تنفيذ هبوط قمري. ويتيح هذا النوع من الرحلات اختبار جميع الأنظمة في ظروف فعلية وبوجود طاقم بشري، قبل الانتقال إلى مرحلة الهبوط على سطح القمر في مهمة مقبلة.
وتؤكد ناسا أن هذه الرحلة تحمل بعداً تاريخياً، لأنها المرة الأولى منذ مهمة Apollo 17 في عام 1972 التي يبتعد فيها رواد فضاء إلى هذا الحد عن الأرض في اتجاه القمر، بما يسمح لهم بتصوير الكوكب كاملاً. فمنذ تلك المهمة، بقيت الرحلات المأهولة محصورة في المدار الأرضي المنخفض، خصوصاً على متن محطة الفضاء الدولية، وهي مسافة لا تكفي لرؤية الأرض بشكل كامل. أما Artemis II فقد ابتعدت إلى مدى يسمح بتقديم صورة شاملة وواضحة للكرة الأرضية.
وإذا سارت المهمة كما هو مخطط لها، فإن مركبة Orion ستواصل الابتعاد خلال الأيام المقبلة، وقد تتجاوز مسافة 400 ألف كيلومتر عن الأرض، وهو رقم تأمل ناسا أن يشكل أبعد نقطة يصل إليها طاقم بشري في الفضاء.