المغرب يراهن على الهيدروجين الأخضر لتقليص التبعية الطاقية
يسرّع المغرب تنفيذ استراتيجيته في مجال الهيدروجين الأخضر، بهدف التحول إلى فاعل أساسي في إنتاج الوقود الإلكتروني، في وقت ما تزال فيه هذه الصناعة عالميًا تواجه صعوبة في الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة المشاريع الفعلية.
ورغم الإعلان عن أكثر من 1500 مشروع للهيدروجين الأخضر في 70 دولة، فإن 6% فقط منها وصلت إلى مرحلة قرار الاستثمار النهائي. وأمام هذا الفارق الكبير بين الطموحات والإنجازات، اختار المغرب مقاربة عملية لتحويل مؤهلاته الطبيعية والصناعية إلى فرص إنتاج ملموسة.
وكشفت الندوة الدولية حول الميثانول الإلكتروني والأمونيا الإلكترونية، التي نظمت نهاية أبريل 2026 بالجامعة الأورومتوسطية بفاس، عن مستوى تقدم المغرب في هذا الورش، إلى جانب التحديات التي ما تزال مطروحة أمامه.
ووفق يومية Les Inspirations Eco، يحتل المغرب المرتبة الثانية عالميًا من حيث الاستثمارات العمومية الموجهة إلى هذا القطاع، بعد ألمانيا، ومتقدمًا على فرنسا وإسبانيا. وتبلغ قيمة الاستثمارات الملتزم بها حوالي 32 مليار دولار، ضمن رؤية تستند إلى عدة عناصر قوة، من بينها وفرة الشمس والرياح، والموقع الجغرافي الرابط بين أوروبا وإفريقيا، والبنيات المينائية في الجرف الأصفر، والناظور غرب المتوسط، والداخلة الأطلسية، إضافة إلى خبرة صناعية راكمها المغرب في مجالي السيارات والطيران.
وخلافًا لدول تراهن فقط على تصدير الهيدروجين الخام، يتجه المغرب نحو بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من إنتاج الطاقة المتجددة، وتصل إلى تحويلها محليًا إلى ميثانول وأمونيا إلكترونيين. وقال وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، خلال افتتاح الندوة: «هدفنا ليس بيع الهيدروجين، بل منتجات ذات قيمة مضافة عالية».
وتسعى هذه المقاربة إلى تقليص الاعتماد على الواردات وتعزيز السيادة الصناعية. فالمغرب يستورد سنويًا ما يقارب ملياري دولار من الأمونيا، التي تُستخدم أساسًا في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية. ورغم امتلاكه 70% من الاحتياطات العالمية من الفوسفاط، فإن موقعه في سلسلة القيمة يبقى متأثرًا بهذه التبعية.
ومن شأن إنتاج الأمونيا الخضراء اعتمادًا على الهيدروجين المتجدد أن يخفف هذه الفاتورة، ويدعم الصناعة الوطنية. وتطمح المملكة إلى إنتاج مليون طن من الأمونيا الخضراء بحلول سنة 2027، ثم رفع الكمية إلى ثلاثة ملايين طن في أفق 2030.
ولمواكبة هذه الطموحات، يجري تنفيذ برنامج لتحلية مياه البحر، يشمل 17 محطة مرتقبة في أفق 2026، مع قدرة إنتاجية قد تصل إلى 1.7 مليار متر مكعب سنويًا بحلول سنة 2030. أما الميثانول الإلكتروني، فيستهدف طلبًا متزايدًا من شركات النقل البحري والصناعات الكيماوية، خاصة مع توجه مجموعات كبرى مثل Maersk إلى إزالة الكربون من أساطيلها في أفق 2030.
لكن الطريق لا يخلو من عراقيل تنظيمية، خصوصًا في السوق الأوروبية. فالتوجيهات الأوروبية RED III تفرض شروطًا صارمة بخصوص مصدر ثاني أكسيد الكربون المستخدم في إنتاج الميثانول الإلكتروني، إذ قد يصبح الولوج إلى السوق الأوروبية محدودًا إذا لم يكن الكربون ملتقطًا مباشرة من الهواء أو صادرًا عن مصادر بيولوجية معتمدة. وقال محمد يحيى زنيبر، رئيس Cluster Green H2: «حل هذه المسألة يحدد إمكانية الولوج إلى علاوات القيمة في السوق الأوروبية».
ويأخذ التعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي بعدًا عمليًا متقدمًا. فخلال أولى طلبات المشاريع الخاصة بالبنك الأوروبي للهيدروجين، سجلت 80% من المشاريع المغربية المؤهلة اهتمامًا من مشترين أوروبيين. وقال دانييلي دوتو، نائب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي بالمغرب: «المغرب يتمتع بالمصداقية في السوق الدولية».
كما تمت تعبئة دعم مالي بقيمة 10 ملايين يورو لمواكبة الإصلاحات التنظيمية وأنشطة البحث. وفي الوقت نفسه، يجري تطوير قطب جهوي في منطقة كلميم واد نون، بهدف ترسيخ هذه الصناعة في الأقاليم الجنوبية. وشدد دوتو على أن «توحيد الأطر المعيارية على المستوى الدولي ضروري للتجارة العالمية في مشتقات الهيدروجين».
ومن دون قواعد مشتركة للتصديق والتتبع، سيكون من الصعب بلوغ أحجام الإنتاج والتصدير المنتظرة. أما على المستوى التكنولوجي، فقد أشار مصطفى بوسمينة، رئيس الجامعة الأورومتوسطية بفاس، إلى تحد تقني مستمر يتعلق بطريقة هابر-بوش المعتمدة في تصنيع الأمونيا، والتي تحتاج إلى درجات حرارة وضغط مرتفعين، ما يحد من تعميمها على نطاق واسع.
وأوضح بوسمينة أن «البحث عن محفزات جديدة سيسمح بإنتاج الأمونيا في وحدات لامركزية وأقل استهلاكًا للطاقة». وقد تمنح هذه الابتكارات المغرب قدرة تنافسية أكبر، خصوصًا أن المملكة، رغم امتلاكها احتياطات ضخمة من الفوسفاط، لا تزال تحتل المرتبة الخامسة أو السادسة عالميًا في تصدير الأسمدة بسبب اعتمادها على الأمونيا المستوردة.