لماذا يختفي يومك بسرعة عندما تقضين ساعات طويلة أمام الشاشات؟
قد تصلين إلى نهاية اليوم وأنت تشعرين بأن الساعات اختفت من دون أن تعرفي تماما أين ذهبت، رغم أنك قضيت وقتا طويلا أمام الهاتف أو الحاسوب أو التلفاز. والمفارقة أن هذا الانشغال المستمر بالشاشات لا يعني بالضرورة أنك كنت أكثر إنتاجية، بل قد يجعل إدراكك للوقت أقل وضوحا.
فالانتقال المتكرر بين الرسائل والتنبيهات ومقاطع الفيديو ومواقع التواصل والتطبيقات المختلفة يجزئ الانتباه إلى فترات قصيرة جدا، ويجعل من الصعب الاحتفاظ بذاكرة واضحة ومترابطة لما حدث خلال اليوم.
كل مرة تنتقلين فيها من مهمة أساسية إلى إشعار أو رسالة أو تطبيق آخر، يحتاج العقل إلى تغيير مسار تركيزه. وقد يبدو هذا الانتقال بسيطا إذا حدث مرة أو مرتين، لكن تكراره عشرات المرات يحول اليوم إلى سلسلة من المقاطعات الصغيرة.
وعند محاولة العودة إلى المهمة الأصلية، لا يستأنف الدماغ العمل دائما من النقطة نفسها بسهولة، بل يحتاج إلى إعادة بناء السياق واستعادة التركيز، وهو ما يستهلك جزءا إضافيا من الوقت والطاقة الذهنية.
التصفح السريع يجعل الوقت أقل وضوحا
تعتمد مقاطع الفيديو القصيرة والمنشورات المتتابعة على تدفق مستمر للمحتوى الجديد، ما يشجع على الانتقال السريع من موضوع إلى آخر من دون توقف واضح.
ومع استمرار هذا النمط، قد تمر عشرات الدقائق من دون وجود أحداث مميزة تترك أثرا واضحا في الذاكرة، لذلك قد تنظرين إلى الساعة لتكتشفي أن نصف ساعة أو أكثر مرّت بسرعة أكبر مما توقعت.
ويتأثر الإحساس بمدة اليوم أيضا بما تتذكرينه منه. فعندما يحتوي اليوم على أحداث متنوعة، مثل لقاء شخص أو إنهاء مهمة محددة أو الخروج إلى مكان مختلف، تتشكل نقاط مرجعية أكثر في الذاكرة.
أما الساعات التي تمر في تصفح متكرر ومتشابه، فقد تصبح أقل تميزا عند استرجاعها لاحقا، فيبدو اليوم أقصر وأقل امتلاء مما كان عليه فعليا.
وتزيد الإشعارات من هذا الشعور، لأنها تستطيع مقاطعة الانتباه حتى عندما لا تفتحين الهاتف مباشرة. فمجرد رؤية التنبيه أو سماعه قد يدفعك إلى التفكير في محتواه.
وعندما تقطعين عملك لتفقد رسالة أو تحديث، لا يقتصر الوقت المفقود على الثواني التي أمضيتها أمام الهاتف، بل يشمل أيضا الوقت الذي يحتاجه الدماغ للعودة إلى مستوى التركيز السابق.
ولهذا يمكن أن ينتهي اليوم وأنت تشعرين بأنك كنت منشغلة باستمرار، لكن من دون إحساس واضح بما أنجزته أو بما استهلك تلك الساعات.
ليست كل الشاشات مشكلة
لا يعني ذلك أن استخدام الهاتف أو الحاسوب يسرق الوقت دائما. فهناك فرق كبير بين استخدام الشاشة لهدف محدد وبين التصفح المفتوح من دون غاية أو نهاية واضحة.
إنجاز مهمة للعمل، إجراء مكالمة، قراءة مقال، مشاهدة فيلم أو متابعة برنامج تختارينه مسبقا كلها استخدامات تختلف عن فتح تطبيقات التواصل في كل لحظة فراغ والاستمرار في التنقل بينها تلقائيا.
وتبدأ المشكلة عندما يتحول الهاتف إلى الخيار الافتراضي عند الانتظار أو الملل أو الراحة، بحيث تختفي المساحات القصيرة التي كان يمكن استغلالها في التفكير أو الملاحظة أو التواصل المباشر.
كيف تستعيدين إحساسك بالوقت؟
يمكن لتغييرات بسيطة في طريقة استخدام الشاشات أن تجعل اليوم أكثر وضوحا في الذاكرة وأقل تشتتا.
من المفيد تخصيص فترات خالية من الهاتف، خصوصا أثناء تناول الطعام أو قبل النوم أو خلال المهام التي تحتاج إلى تركيز طويل.
كما يساعد إيقاف الإشعارات غير الضرورية على تقليل المقاطعات المتكررة، بحيث لا يتحول كل تنبيه إلى قرار جديد حول ما إذا كنت ستفتحين الهاتف أم لا.
ويمكن أيضا تحديد وقت واضح للتصفح بدلا من فتح التطبيقات بصورة متقطعة طوال اليوم، لأن وجود بداية ونهاية محددتين يجعل استخدام الشاشة أكثر وعيا.
وتساعد الأنشطة التي تتم بعيدا عن الأجهزة، مثل المشي أو الحديث المباشر مع الآخرين أو القراءة الورقية أو ممارسة هواية عملية، على خلق أحداث أكثر تميزا في اليوم، وهو ما يجعلها أسهل في التذكر لاحقا.
كما يمكن مراجعة تقارير استخدام الهاتف لمعرفة التطبيقات التي تستحوذ على أكبر قدر من الوقت، لأن مجرد رؤية الأرقام قد تكشف ساعات لم تكوني تدركين حجمها.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالامتناع الكامل عن الشاشات، بل بالقدرة على تحديد متى تستخدمينها ولماذا. وكلما أصبح استخدام الهاتف مقصودا بدلا من أن يكون عادة تلقائية، صار من الأسهل الحفاظ على التركيز والشعور بأن يومك كان أكثر وضوحا وحضورا.