بيرسيفيرانس يتجاوز رقم أوبورتيونيتي بأطول مسيرة على جسم سماوي
قالت وكالة ناسا إن المسبار الجوال «بيرسيفيرانس» أصبح صاحب الرقم القياسي في المسافة المقطوعة على جسم سماوي آخر، بعد أن بلغت مسيرته 45.22 كيلومتر حتى 11 أكتوبر/تشرين الأول.
وتجاوز بذلك الرقم المسجل باسم المسبار «أوبورتيونيتي» والبالغ 45.16 كيلومتر، والذي حققه على مدى قرابة 15 عامًا من العمل على سطح المريخ. وأنجز «بيرسيفيرانس» هذه المسافة في خمس سنوات ونصف السنة، بفضل نظام ملاحة ذاتية يساعده على اختيار مساره بنفسه.
وتفوق المسبار كذلك على المركبات التي عملت على سطح القمر، إذ قطع مسافة تزيد على 35.7 كيلومتر سارها رائدا الفضاء جين سيرنان وهاريسون شميت في مهمة «أبولو 17» عام 1972، وعلى 39 كيلومترًا قطعها المسبار السوفيتي «لونوخود-2» عام 1973.
ويواصل «بيرسيفيرانس» حاليًا استكشاف حافة فوهة «جيزيرو»، حيث يبحث العلماء عن أدلة على عمليات جيولوجية قديمة.
كيف يقطع بيرسيفيرانس هذه المسافات
سجّل المسبار الرقم القياسي في يومه المريخي الـ2006 من المهمة. ويتمثل مصدر تفوقه الأساسي في نظام الملاحة الذاتية «أوتوناف»، الذي يصوّر السطح ويبني خريطة ثلاثية الأبعاد للعوائق ويشق مسارًا آمنًا بين نقاط تحكم يحددها المتخصصون على الأرض.
ويستطيع «بيرسيفيرانس» أن يقطع ما يصل إلى 412 مترًا في اليوم المريخي الواحد، وقد سلك أكثر من 90% من مساره مستعينًا بـ«أوتوناف»، في حين لم يساعد هذا النظام مسباري «أوبورتيونيتي» و«سبيريت» سوى في نحو 5% من طريقهما.
وتختلف أيضًا قدرة المركبات على تحليل التضاريس، فالمسبار الأول لناسا «سوجورنر» كان يقدّر المسار عبر 20 نقطة قياس، أما «بيرسيفيرانس» فيعالج 600 ألف نقطة في كل مسح.
وقال ستيفن لي، مدير مشاريع المسبارين «كيوريوسيتي» و«بيرسيفيرانس» في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في جنوب كاليفورنيا: «كانت الخطة الأولية للمهمة تقضي بعدم تجاوز مسافة 12.4 ميل (نحو 20 كيلومترًا). وقد تجاوزنا هذا الرقم بكثير».
وتتمثل المهمة التالية للفريق في الحد من تأثير انعكاسات ضوء الشمس التي تعطّل كاميرات الملاحة، والتي تدفع المسبار أحيانًا إلى التوقف في منتصف النهار عندما يتحرك في اتجاه الشمس. وقد يؤدي حل هذه المشكلة إلى زيادة وقت عمل المركبات المستقبلية.
وأوضح لي أن جميع أنظمة التنقل في «بيرسيفيرانس» تعمل بشكل سليم، وأن نتائج اختبارات التشغيل الطويل إيجابية، ويتوقع الفريق أن يواصل المسبار تحسين رقمه القياسي في السنوات المقبلة.
ما يبحث عنه بيرسيفيرانس على المريخ
جاء الرقم القياسي أثناء تحرك المسبار نحو منطقة «إيدوبي» عبر منطقة «لاك دو شارم» قرب الحدود الغربية لفوهة «جيزيرو»، حيث توجد صخور قديمة جدًا دمّرت الإعراء والعمليات التكتونية نظيراتها على الأرض.
وفي منطقة «إيدوبي» يأمل العلماء في العثور على آثار أنظمة حرارية مائية قديمة، وهي بيئات تفاعلت فيها المياه الساخنة مع الصخور. ويساعد درسها في تحديد الظروف التي سادت على المريخ قبل مليارات السنين.
وخلال مهمته جمع «بيرسيفيرانس» 29 عينة من الصخور والريغوليث، وهي المادة الهشة التي تغطي سطح الكوكب. وقد استكشف قاع بحيرة قديمة ودلتا نهر كان يصب فيها، وهو يدرس الآن حافة الفوهة التي تشكلت إثر اصطدام قبل نحو أربعة مليارات سنة. وتمكّنه قدرته على قطع مسافات أطول من دراسة مزيد من المعالم الجيولوجية وجمع عينات متنوعة، ما يساعد العلماء على إعادة بناء تاريخ الكوكب من صخوره.
مسيرة متجولات ناسا على المريخ
تمتد قصة استكشاف المريخ بواسطة متجولات ناسا نحو 30 عامًا، تحسنت خلالها قدرة المركبات على التحمل وقطع مسافات أطول وزُوّدت بأنظمة ملاحة أكثر تطورًا.
وسار أول متجول لناسا «سوجورنر»، بحجم فرن الميكروويف، نحو 100 متر خلال 83 يومًا مريخيًا في عام 1997. وفي عام 2004 وصل «سبيريت» و«أوبورتيونيتي»، بحجم عربة غولف تقريبًا، وكان مقررًا لمهمتيهما 90 يومًا مريخيًا.
وقطع «سبيريت» 7.7 كيلومتر وتوقف عن العمل عام 2010 بعد أن علق خلال الشتاء المريخي. وعمل «أوبورتيونيتي» 5111 يومًا مريخيًا، وقطع في عام 2015 مسافة ماراثون على الأرض تقارب 42 كيلومترًا، وسجّل رقمًا قياسيًا بلغ 45.16 كيلومتر. أما «كيوريوسيتي»، الذي هبط في فوهة «غيل» عام 2012، فلا يزال يعمل وقد قطع أكثر من 38.07 كيلومتر.
ووافقت ناسا على أول تمديد لمهمة «بيرسيفيرانس»، بدأ في أكتوبر/تشرين الأول ويسمح للمسبار بالعمل حتى نهاية عام 2028 تقريبًا. وبعد دراسة منطقة «لاك دو شارم» سيتحرك جنوبًا بمحاذاة حافة فوهة «جيزيرو» نحو منطقة «رينبو فولز»، حيث تقع كتلة من قشرة قديمة يبلغ عرضها نحو 100 متر رفعها الاصطدام الذي شكّل الفوهة.
وفي الشهر الماضي، عثر «بيرسيفيرانس» في فوهة «جيزيرو» على أدلة على دوران قديم لمياه جوفية ساخنة، بعد دراسته صخورًا بركانية في ما يُعرف بـ«المنطقة الهامشية». ورصد العلماء بأداة «سوبركام» ثلاث حلقات تاريخية مختلفة على الأقل لتفاعل المعادن مع المياه، بينها تشكّل السيليكا البحيرية وعروق حرارية مائية من كبريتات الكالسيوم والفلوريت.